(أهم الموضوعات الدولية) مقالة خاصة: في مستنقع مالي..."التدخل العسكري الخارجي" ليس معقودا في نواصيه الخير إطلاقا

14:46 21-01-2013 BJT
حجم الخط أ أ أ | اطبع | أضف إلى المفضلة

بكين 17 يناير 2012 (شينخوا) وسط اضطرابات عدة تعج بها القارة السوداء، بزرت على السطح مؤخرا أزمة شديدة في مالي التي كانت يوما ما نموذجا للاستقرار السياسي في غرب أفريقيا، وعلى إثر الأزمة شنت فرنسا غارات جوية ثم عملية برية تهدف إلى تقويض شوكة المتمردين في مالي و"استئصال الإرهاب" بدعم من بلدان أخري وبحضور مرتقب لقوات من مجموعة الإيكواس في ساحات القتال.

ومن ثم باتت مالي على ما يبدو مركزا آخرا لمكافحة الإرهاب بالنسبة للغرب ولا سيما فرنسا. وقد أشار المحللون الصينيون إلى أن التدخل الفرنسي في مالي يحمل في طياته الكثير من الاعتبارات والملابسات الخاصة، وربما يفضى إلى تغيير ميزان القوى بين القوات الحكومية والمتمردين في البلاد ، ولكنه لن يكون بأي حال من الأحوال حلا حاسما لأزمة مالي. ويرون أن "التدخل العسكري الخارجي" ليس معقودا في نواصيه الخير اطلاقا، ولن يكون حلا نهائيا لقضايا أفريقيا.

-- أسباب خاصة وراء تدخل فرنسا عسكريا في مالي

ورأى المحللون أن موافقة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند على أن تكون لبلاده القيادة في الحرب الدائرة رحاها في مالي ترجع إلى سببين، أولهما اظهار تمسك فرنسا بدور "الحارس" التقليدي بالنسبة لمستعمراتها السابقة في أفريقيا، ثانيهما أمله في تحويل أنظار الفرنسيين من الداخل إلى الخارج واكتساب المزيد من الدعم السياسي من خلال مكافحة الإرهاب في ظل حالة الانكماش الاقتصادي وانخفاض شعبيته بعد مرور نصف عام تقريبا على تقلده منصب الرئاسة.

وقال دو بينغ، المعلق السياسي لقناة ((فينكس)) التليفزيونية الصينية، إن مالي وغيرها من دول غرب أفريقيا تقع ضمن مناطق النفوذ التقليدي لفرنسا التي تسعى من خلالها إلى ضمان استدامة تأثيرها القوي في القارة، مضيفا أن فرنسا لا تحرص على تركيز اهتمامها على منطقة غرب أفريقيا فحسب، بل على القارة بأسرها لتثبت أنها دولة كبرى ذات ثقل وتأثير على الصعيد الدولي.

وأشار دو إلى أن الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي كان قد لاقى انتقادات حادة في هذا الصدد لدرجة أن الكثير من الدبلوماسيين الفرنسيين اتهموه بأنه تسبب في تراجع مكانة فرنسا بعد توليه الرئاسة ولم يحقق أي إنجاز في هذا المجال. وتحت هذه الضغوط، أصدر ساركوزي أمرا بأن تقود بلاده التدخل العسكري في ليبيا عام 2011 ليثبت أنه مازال هناك ما يمكن أن تقوم به فرنسا من خلال منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبدعم من الدول الأوروبية الأخرى. وتتكرر الحالة ذاتها الآن مع الرئاسة الحالية التي تأمل في اثبات أن فرنسا قادرة على حماية مصالحها ومصالح الغرب في مستعمراتها السابقة، وطمأنة الدول الأفريقية بأن فرنسا دولة كبرى على نفس القدر من القوة إذا ما قورنت بالولايات المتحدة في القارة.

-- ملابسات وراء عدم معارضة المجتمع الدولي للتدخل الفرنسي

وتكتسبت مالي أهميتها الاستراتيجية من كونها دولة تقع على تقاطع طرق "ممرين أفريقيين"، أحدهما ممر "البحر الأبيض المتوسط - خليج غينيا" والآخر "ممر المحيط الأطلسي - قلب غرب أفريقيا"، لتصبح بالتالي نقطة تلاقي حضارتي العرب والقارة الافريقية.

وإنطلاقا من زاوية الموقع الجغرافي، قالت خه ون بينغ، مديرة قسم الدراسات الأفريقية في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ، إن المجتمع الدولي يخشى من أن تؤدى سيطرة المتطرفين الإسلاميين على مالي إلى فتح "ممر مالي" لتتسرب منه القوى المتطرفة الإسلامية في شمال أفريقيا إلى غربها دون أية عراقيل وتنضم إلى تنظيم "بوكو حرام" في نيجيريا، ثم تتوجه تلك القوى سويا إلى الشرق لتلقي أصداء جيدة من المنظمات المتطرفة في السودان والصومال وإريتريا، وبهذا ترتبط القوى الأصولية ببعضها البعض في البحر الأبيض المتوسط شمالا، وخليج غينيا جنوبا، والمحيط الأطلسي غربا، والبحر الأحمر وخليج عمان شرقا، وبالتالى يسهل نقل الأسلحة والمخدرات والأفراد لهذه القوى، وهو ما يعد "كابوسا" لنصف القارة الأفريقية والعالم بأسره.

وأضافت الخبيرة الصينية أن الأسلحة المتسربة من ليبيا رفعت القدرة القتالية للمتمردين في مالي، لدرجة فاقت توقعات القوات الفرنسية نفسها، ما جعل الأوضاع تزداد سوءا داخل البلاد وتخرج شيئا فشيئا عن سيطرة الحكومة.

ويرى الخبراء أنه في ضوء الوضع على الأرض، بات لجوء حكومة مالي إلى طلب المساعدة من فرنسا التي تحتفظ بوجود عسكري كبير في غرب أفريقيا أفضل خيار متاح أمامها، إذ أن الحالة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا مهترئة ولا تمكنها من الإبقاء على بعثة عسكرية مشتركة كبيرة العدد وذات قدرة قتالية فعالة لمدة طويلة في مالي، وخاصة وأنها ذاقت مرارة عبء ذلك من تجربتها في كوت ديفوار وبلدان أخرى.

-- التدخل العسكري الخارجي ليس حلا نهائيا للقضايا

ولفت المحللون الصينيون إلى أن الدول الغربية كانت تعتبر النصر الذي تحقق في حرب ليبيا نموذجا ناجحا للـ"تدخل العسكري الخارجي"، ومن ثم تريد تطبيق هذا النموذج على كل قضية، غير أنها أهملت "الآثار الجانبية" لهذا التدخل، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر تدفق عدد ضخم من الأسلحة من ليبيا إلى أيدى متمردي مالي، ما قادنا إلى الوضع الذي نشهده اليوم في البلاد .

وفي آخر التطورات بشأن أزمة مالي، بدأت بعض دول الجوار تتأثر بتداعيات هذا التدخل، اذ شنت جماعة مرتبطة بتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" هجوما مسلحا يوم الأربعاء على منشأة نفطية في أقصى جنوب شرقي الجزائر، زاعمة بان "العملية تأتي رداً على التدخل السافر للجزائر وفتح أجوائها أمام الطيران الفرنسي لقصف مناطق شمال مالي"، الامر الذي اسفر عن مصرع اثنين من العاملين الأجانب وإصابة ستة واحتجاز 41 رهينة.

وفي هذا الصدد، ترى خه ون بينغ أنه على الرغم من ظهور نتائج للتدخل العسكري الفرنسي في مالي إذ تمكنت فرنسا من الاضطلاع بدور فاعل في كبح توجه القوى الإسلامية المناهضة للحكومة نحو الجنوب، كما تمكنت من تحويل دفة الوضع في مالي ليصبح للقوات الحكومية اليد العليا على الأرض، إلا أن الواقع يبين أنه ليس في مقدورها وضع نهاية لحالة الاقتتال بين القوات الحكومية والمتمردين في البلاد .

كما قال دو بينغ إن النزاعات الداخلية للدول الأفريقية والاشتباكات والمعارك المتكررة بين المتمردين والقوات الحكومية لها أسباب داخلية عميقة يصعب حلها بين ليلة وضحاها بالتدخل العسكري. وليس في الإمكان ضمان أمن مالي والدول المجاورة لها على المدى البعيد ما لم يتم البحث في أغوار المشكلات وحلها.

كما اكد لي ون تاو، الباحث في معهد الصين للدراسات الدولية المعاصرة، أن الاضطرابات السياسية في الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية، ومن بينها مالي، ذات أسباب تاريخية وواقعية عميقة، وترجع إلى تدني مستوى نموها الاقتصادي ، لهذا بات من الضروري إيجاد حل جذري للمشكلات واجتثاث "فيروس الاضطرابات" من جذوره في القارة لأن "السلام المفروض" لا يدوم طويلا .

 

تحرير:Yang Xin
مصدر:Xinhua