مقالة خاصة: خبراء صينيون: في الذكري العاشرة لحرب العراق.. فشل استنساخ النموذج الأمريكي للديمقراطية

13:35 20-03-2013 BJT
حجم الخط أ أ أ | اطبع | أضف إلى المفضلة

بقلم: راقية سونغ

بكين 20 مارس 2013 (شينخوا) في مثل هذا اليوم من عام 2003، شنت الولايات المتحدةهجوما عسكريا شاملا على العراق أرض الحضارات الإنسانية تحت ذريعة حيازة نظام صدام حسين لأسلحة دمار شامل في إجراء خرج عن نطاق مجلس الأمن الدولي وتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة، ليحضرنا الآن قول الفيلسوف التشيكي ميلان كونديرا بأن "صراع الإنسان ضد التسلط هو صراع الذاكرة ضد النسيان".

وفي هذا الصدد، ذهب المحللون الصينيون إلى أنه لابد لواشنطن أن تأخذ في الحسبان الدروس المستفادة من هذه الحرب وهى تحدد ملامح سياستها الخارجية الجديدة تجاه الشرق الأوسط ، ولابد لشعب العراق أن يطوى صفحة الماضي ويتطلع إلى مستقبل أفضل، مؤكدين على فشل تجربة استنساخ الديمقراطية الأمريكية في بلاد الرافدين.

-- دروس الحرب.. والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

ومع حلول الذكري العاشرة لحرب العراق، يستهل الرئيس الأمريكي باراك أوباما أول زيارة خارجية له خلال ولايته الثانية بجولة في الشرق الأوسط، ما يثير أسئلة عدة حول كيفية تعاطي الإدارة الأمريكية مع قضايا المنطقة في ضوء تداعيات هذه الحرب والعبر المستفادة منها.

ومن وجهة نظر المحلل السياسي تيان ون لين المتخصص في سياسات الشرق الأوسط بأكاديمية الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق أشبه بالعلاقة بين اللاعب وقطعة الشطرنج، فعلى رقعة شطرنج الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم، لم يكن العراق سوى قطعة رابحة لتحقيق أهداف هذه الاستراتيجية.

وقال تيان إن ما حفز الإدارة الأمريكية على شن هذه الحرب هو رغبتها في استغلال الموارد النفطية والموقع الجيوسياسي للعراق وجعله نموذجا للإصلاح الديمقراطي، فخلعت النظام الحاكم السابق لترغم العراق على اتباع نمط الديمقراطية الأمريكية دون مراعاة للخصائص المحلية للعراق وحجم معاناة شعبه، مضيفا أنه بعد فشل الولايات المتحدة في إصلاح العراق، تركته بلا أدنى قدر من المسؤولية، ومن ثم فإن "أمريكا ليست إمبراطورية إنسانية بل إمبراطورية أنانية".

ويؤكد يو قوه تشينغ خبير شؤون الشرق الأوسط بمعهد دراسات غرب آسيا وأفريقيا بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية أن حرب العراق كبدت الولايات المتحدة خسائر فادحة اقتصاديا وبشريا، مضيفا أنه لم تكن الحرب كارثة للعراق فحسب وإنما كانت مأساة لأمريكا بكل ما في الكلمة من معني.

وفي ضوء ما شهده الشرق الأوسط مؤخرا من أمطار" الربيع العربي" التي أفرزت محصولا من الاضطرابات التي ينادى البعض بتدخل عسكري لحلها، أوضح يو إن دروس حرب العراق تتلخص في نقطتين:

أولا : ضرورة التأكد من شرعية الحرب، موضحا رؤيته بأن الفرق بين حربي الخليج الأولي والثانية كان كبيرا، فالأولي عام 1991 نالت تفويض الأمم المتحدة ودعم دول الشرق الأوسط، فنجحت في إخراج القوات العراقية من الكويت، أما الثانية عام 2003 فارتكزت على ذريعة كاذبة وقوبلت بنقذ لاذع وشوهت صورة أمريكا في العالم.

ثانيا: ضرورة توخى الحذر قبل اللجوء للقوة، إذ أن الحرب دوما محدودة الفاعلية ومفعمة بالاحتمالات وأوجه عدم اليقين، وكما قال تشرتشل" لا تأمن بأن الحرب سهلة وموفقة ابدا، فقد تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن".

-- الحرب.. وتداعياتها على المجتمع العراقي والمنطقة

ورغم مرور عشر سنوات على التغير الذي يعيشه العراق جراء الغزو الأمريكي، لا يزال هذا البلد العربي يشهد بين الفنية والأخرى أعمال عنف وتفجيرات تودى بحياة الأبرياء في الوقت الذي ترواح فيه جهود احلال الاستقرار والأمن وتحسين الوضع الاقتصادي مكانها.

وفي هذا الصدد، أعرب تيان عن اعتقاده بضرورة أن يترك الساسة صراعاتهم على السلطة والمال وأن يوجهوا جهودهم لخدمة المواطنين العراقيين الذين عانوا كثيرا جراء نقص الخدمات في مختلف مناحى الحياة ويمحوا ما دمرته سنوات الحصار والحروب التي مرت بها البلاد.

وشاطره السيد يو الرأي بشأن ضرورة الاهتمام بكافة الخدمات ولا سيما الصحية منها بعدما كشفت دراسة قامت بها مجموعة السلام الهولندية أن استعمال القوات الأمريكية لأسلحة اليورانيوم المنضب ضد أهداف عسكرية ومدنية على نطاق واسع جنوب ووسط العراق شكل آثارا كارثية على الإنسان العراقي وبيئته، لافتا إلى أن ما يفاقم خطر الأسلحة المشعة هو ضعف قدرة العراق على معالجتها علاوة على التقاعس الدولي في هذا الشأن.

ونظرا لما يشوب المشهد السياسي العراقي حاليا من غموض وتوتر في العلاقات بين الكتل السياسية وبين الحكومة المركزية واقليم كردستان، الامر الذي انعكس بصورة سلبية على مجمل الأوضاع ، يرى تيان أنه من الضرورة بمكان أن تعمل النخب السياسية العراقية على تسوية المشكلات القائمة فيما بينها والتي خلفها الاحتلال الأمريكي.

ويقول يو إن العراق تحول حاليا من "دولة قوية" إلى "دولة ضعيفة" نظامها مضطرب وأمنها متفاقم وصراعاتها الطائفية مستمرة، لافتا إلى أن الحرب لم تغير هيكل السلطة في العراق فحسب وإنما غيرت هيكل الأمن في الشرق الأوسط برمته وقللت عدد الدول المناهضة لأمريكا وإسرائيل في المنطقة، ما قد يغير ميزان القوى بين الجانبين العربي والإسرائيلي.

-- الحرب .. والإخفاق في استنساخ الديمقراطية الأمريكية

إذا نظرنا إلى حرب العراق، سندرك حتما أن عقلية "شرطي العالم" لدى الأمريكان هى العنصر النفسي الذي أفضى إلى حرب فيتنام وحرب العراق وحرب أفغانستان، فمفهوم هذه العقلية يدل في باطنه على أن مسؤولي البيت الأبيض يعتقدون أنهم يتحملون مهمة نشر الديمقراطية والحرية والقضاء على نظام الحكم المستبد ولا سيما في الشرق الأوسط.

وفي هذا الصدد قال الباحث يو إن أمريكا سعت بعد شن الحرب إلى دفع نموذجها للديمقراطية في العراق لأغراض سياسية دون الإكتراث بالظروف المحلية، فارتطمت بصعوبات جمة وخسرت كثيرا كما كان متوقعا، ليثبت لها مع مرور الأيام صعوبة تطبيق النموذج الغربي للديمقراطية في هذا البلد العربي.

وأضاف يو أنه منذ بدء ثورات "الربيع العربي"، تسعى البلدان التي تغيرت الأنظمة الحاكمة فيها، ولاسيما ليبيا التي اسقطت نظام القذافي باللجوء للقوة الخارجية، تسعى إلى إقامة نظام موالي للغرب وتطبيق الديمقراطية الغربية، ما خلق أوضاع داخلية صعبة فيها، لذا يرى يو أن إعادة الهيكلة لابد أن تعتمد على العناصر الداخلية وليس على التدخل والدعم الخارجي.

وأوضح أن التدخل الخارجي متعدد الأنماط ولا ينحصر فقط في اللجوء للقوة، إذ انه له أوجه إيجابية وأخرى سلبية وبالتالي فهو (سلاح ذو حدين)، قائلا إنه لابد للدول العربية التي تشهد حاليا عملية إصلاح دراسة نموذج دول شرق أوروبا التي تسعى للحصول على الدعم الخارجي وتعرف ما تريد للارتقاء ببلدانها.

وأكد يو أنه في ضوء الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي يشهدها الشارع العربي، تأتى الأولوية لاصلاح الأوضاع الاقتصادية وليس لاستنساخ النمط الأمريكي للديمقراطية.

أما الباحث تيان فقال إنه بعد إهدار 800 مليار دولار أمريكي ومقتل 4487 جنديا أمريكيا وما يزيد على 100 ألف عراقي، اتضح لغالبية الأمريكيين أن الحرب كانت عملا خاطئا لم يجلب الديمقراطية بل البؤس للعراقيين ولم يجلب الفخر بل الكراهية للأمريكيين.

ومع تكرار الحروب التي حدثت في التوقيت الخاطئ والمكان الخاطئ منذ اندلاع الحرب الكورية، يرى تيان أن نقطة قوة الإدارة الأمريكية تكمن في الجرأة على نقد الذات فيما تكمن نقطة الضعف في عدم الاستفادة من هذا النقد، موضحا أن رغم إدراك واشنطن إلى أن اختلاف الحضارات يؤدى إلى صعوبة تطبيق الديمقراطية الأمريكية، إلا أنها دخلت الحرب غير عابئة بالدروس والعبر.

ويجمع المحللون على أن أحد القضايا مثل قضية الشرق الأوسط أو شبه الجزيرة الكورية أو جزر دياويو قد تكون حجة واشنطن لشن حرب مستقبلا. ولكن بعد انتهاء أى حرب، سيجلس "العم سام" وحده ليذرف الدمع.

تحرير:Wang Shuo
مصدر:Xinhua